عبد الرحمن السهيلي
145
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
صلى الله عليه وسلم : « إنَّا أعْطَيْنَاكَ الْكَوثَر » عوضاً يا محمد من مصيبتك بالقاسم : « فصَلِّ لربِّك وانحر إن شَانِئَكَ هو الأَبْتَرُ » ولم يقل : إن شانئك أبتر يتضمن اختصاصه بهذا الوصف ، لأن هو في مثل هذا الموضع تعطي الاختصاص ، مثل أن يقول قائل : إن زيداً فاسق ، فلا يكون مخصوصاً بهذا الوصف دون غيره ، فإذا قلت : إن زيداً هو الفاسق ، فمعناه : هو الفاسق الذي زعمت ، فدل على أن بالحضرة من يزعم غير ذلك ، وهكذا قال الجرجاني وغيره في تفسير هذه الآية أن هو تعطي الاختصاص ، وكذلك قالوا في قوله سبحانه : « وأنه هو أغْنَى وأقْنَى » لما كان العباد يتوهمون أن غير الله قد يغني ، قال : هو أغنى وأقنى ، أي : لا غيره ، وكذلك قوله تعالى : « وأنه هو أمات وأحيا » إذ كانوا قد يتوهمون في الإحياء والإماتة ما توهما النمرود حين قال : أنا أحيي وأميت ، أي : أنا أقتل من شئت ، وأستحيي من شئت ، فقال عز وجل : « وأنه هو أمات وأحيا » أي : لا غيره ، وكذلك قوله تعالى : « وأنه هُوَ ربُّ الشِّعْرَى » أي : هو الرب لا غيره ، إذ كانوا قد اتخذوا أرباباً من دونه ، منها : الشعرى ، فلما قال : وإنه خلق الزوجين ، وأنه أهلك عاداً استغنى الكلام عن هو التي تعطي معنى الاختصاص ، لأنه فعل لم يدعه أحد ، وإذا ثبت هذا ، فكذلك قوله : « إن شانئك هو الأبتر » أي : لا أنت . والأبتر : الذي لا عقب له يتبعه ، فعدمه كالبتر الذي هو عدم الذنب ، فإذا ما قلت هذا ، ونظرت إلى العاصي ، وكان ذا ولد وعقب ، وولده عمرو وهشام ابنا العاصي بن وائل ، فكيف يثبت له البتر ، وانقطاع الولد ، وهو ذو ولد ونسل ، ونفيه عن نبيه ، وهو يقول : « ما كان مُحَمَّد أبا أحدٍ من رجالكم » الأحزاب الآية . فالجواب : أن العاصي وإن كان ذا ولد فقد انقطعت العصمة بينه وبينهم ، فليسوا بأتباع له ، لأن الإسلام قد حجزهم عنه ، فلا يرثهم ولا يرثونه ، وهم من أتباع محمد عليه السلام ، وأزواجه أمهاتهم ، وهو أب لهم . كما قرأ : أبي بن كعب : وأزواجه أمهاتهم ، وهو أب لهم ، والنبي أولى بهم كما قال الله سبحانه ، فهم وجميع المؤمنين أتباع النبي في الدنيا ، وأتباعه في الآخرة إلى حوضه ، وهذا معنى الكوثر ، وهو موجود في الدنيا لكثرة أتباعه فيها ، ليغذي أرواحهم بما فيه حياتهم من العلم ، وكثرة أتباعه في الآخرة ليسقيهم من حوضه ما فيه الحياة الباقية ، وعدو الله العاصي على هذا هو الأبتر على الحقيقة ، إذ قد انقطع ذنبه وأتباعه ، وصاروا تبعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم ولذلك قوبل تعييره للنبي صلى الله عليه وسلم بالبتر بما هو ضده من الكوثر ؛ فإن الكثرة تضاد معنى القلة ، ولو قال في جواب اللعين : إنا أعطيناك الحوض الذي من صفته كذا وكذا لم يكن رداً عليه ، ولا مشاكلاً لجوابه ، ولكن جاء باسم يتضمن الخير الكثير ؛ والعدد الجم الغفير المضاد لمعنى البتر ، وأن ذلك في الدنيا والآخرة بسبب الحوض المورود الذي أعطاه ، فلا يختص لفظ الكوثر بالحوض ، بل يجمع هذا المعنى كله ، ويشتمل عليه ، ولذلك كانت آنيته كعدد النجوم ، ويقال : هذه الصفة في الدنيا : علماء الأمة من أصحابه ومن بعدهم ، فقد قال : أصحابي كالنجوم ، وهو يروون العلم عنه ، ويؤدونه إلي من بعدهم ، كما ترتوي الآنية في الحوض ، وتسقي الواردة عليه : تقول : رويت الماء ، أي : استقيته كما تقول : رويت العلم ، وكلاهما فيه حياة ، ومنه قيل لمن روى علماً أو شعراً : راوية تشبيهاً بالمزادة أو الدابة التي يحمل عليها الماء وليس من باب علامة ونسابة ، وفي حديث أبي برزة في صفة الحوض أنها تنزو في أكف المؤمنين ، يعني الآنية ، وحصباء الحوض : اللؤلؤ والياقوت ، ويقابلهما في الدنيا الحكم المأثورة عنه ، ألا ترى أن اللؤلؤ في علم التعبير حكم وفوائد علم ، وفي صفة الحوض له المسك ، أي : حمأته ويقابله في الدنيا : طيب الثناء على العلماء ، وأتباع النبي الأتقياء ، كما أن المسك في علم التعبير ثناء حسن ،